الإخبارية 24 / عبد الفتاح كريم
لم تعد ظاهرة التسول في الدار البيضاء مجرد سلوك هامشي مرتبط بحالات الفقر القصوى، بل تحولت تدريجياً إلى ظاهرة حضرية مركبة تعيد تشكيل ملامح الفضاء العام، خاصة عند إشارات المرور وأمام المقاهي، هذا التحول الذي يطرح معه أسئلة عميقة حول هذه الظاهرة.
تموضع دقيق داخل النسيج الحضري
يلاحظ المتتبع لحركية المدينة أن المتسولين لم يعودوا ينتشرون بشكل عشوائي، بل أصبحوا يعتمدون على تموقع مدروس داخل نقاط تعرف كثافة مرورية وبشرية مرتفعة، فإشارات المرور تمثل لحظات “توقف إجباري” للسائقين، ما يتيح فرص تواصل مباشر وسريع، في حين توفر المقاهي فضاءً مفتوحاً على زبناء محتملين يتمتعون بقدرة شرائية نسبية، هذا التموقع يعكس نوعاً من “التخصص المجالي”، حيث يتم إختيار المواقع بناءً على مردوديتها، بل إن بعض النقاط تعرف نوعاً من الإستقرار أو التناوب غير المعلن بين المتسولين.
تحولات في أنماط الممارسة
عرفت أساليب التسول بدورها تطوراً لافتاً، حيث إنتقلت من طلب المساعدة التقليدي إلى إستراتيجيات أكثر تعقيداً، تتراوح بين الإلحاح المباشر، وتقديم خدمات ظرفية كتنظيف زجاج السيارات، أو توظيف خطابات إنسانية مؤثرة، كما يلاحظ بروز أشكال جديدة، من بينها تسول النساء رفقة أطفال صغار، أو أشخاص يدّعون أوضاعاً صحية حرجة، وهو ما يطرح إشكالية التحقق من مصداقية الحالات، ويعقد مهمة التمييز بين الحاجة الفعلية والإستغلال.
إقتصاد موازٍ خارج الرصد
تُظهر المؤشرات الميدانية أن التسول في بعض حالاته لم يعد فقط إستجابة ظرفية للفقر، بل أصبح نشاطاً يدر دخلاً يومياً، يندرج ضمن الإقتصاد غير المهيكل، هذا الواقع يفتح الباب أمام فرضيات تتعلق بوجود شبكات غير منظمة أو علاقات غير مرئية تتحكم في توزيع الفضاءات وتدبير “نقاط الإشتغال”، كما أن غياب معطيات دقيقة حول حجم الظاهرة ومداخيلها يجعل من الصعب تقييمها إقتصادياً أو إدماجها ضمن السياسات العمومية الموجهة لمحاربة الهشاشة.
تأثيرات متعددة على الفضاء العام
أدى إنتشار التسول في نقاط إستراتيجية إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والفضاء الحضري، فبالنسبة للسائقين، قد يشكل الأمر مصدر إزعاج أو توتر، خصوصاً في ظل الإلحاح أو الإقتراب من المركبات بشكل مفاجئ، ما يطرح أحياناً مخاطر على السلامة الطرقية.
أما بالنسبة لأصحاب المقاهي والمرتادين، فيثير تكرار طلبات المساعدة نقاشاً حول حدود التعاطف وحق الإستمتاع بالفضاء العام دون مضايقة، فتوافد المتسولين على المقاهي من شأنه أن يعيق راحة زبناء المقاهي ويخلق لهم نوعا من التوتر والقلق.
بين المقاربة الأمنية والحلول الإجتماعية
رغم الحملات الظرفية التي تستهدف الحد من الظاهرة، إلا أن فعاليتها تظل محدودة في غياب رؤية شمولية. فالمقاربة الأمنية، وإن كانت ضرورية لضبط بعض التجاوزات، لا تكفي لمعالجة الجذور العميقة للمشكلة.
في المقابل، يبرز دور السياسات الإجتماعية في توفير بدائل حقيقية، من خلال برامج الإدماج المهني، ودعم الفئات الهشة، وتعزيز آليات الحماية الإجتماعية، خاصة لفائدة الأطفال والنساء في وضعية هشاشة.
الحاجة إلى مقاربة متعددة الأبعاد
إن معالجة ظاهرة التسول في الدار البيضاء تقتضي تنسيقاً بين مختلف المتدخلين، من سلطات محلية، ومصالح إجتماعية، ومجتمع مدني، مع ضرورة تطوير آليات للرصد والتتبع تتيح فهماً أدق لحجم الظاهرة وتحولاتها.
كما يظل وعي المواطنين عاملاً حاسماً، من خلال توجيه التضامن نحو قنوات منظمة تضمن وصول المساعدة إلى مستحقيها دون المساهمة في تكريس الظاهرة.




