الإخبارية 24 / عبد الفتاح كريم
توفي الفيلسوف وعالم الإجتماع الفرنسي “إدغار موران” يوم الجمعة 29 ماي، عن عمر ناهز 104 أعوام، بعد مسيرة فكرية حافلة جعلت منه أحد أبرز المفكرين الذين تركوا بصمة عميقة في مجالات الفلسفة وعلم الإجتماع والفكر الإنساني المعاصر.
وُلد موران في باريس سنة 1921، وإنخرط في صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1942، حيث شارك في أنشطة المقاومة ضد الإحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية، غير أن علاقته بالحزب إنتهت لاحقاً بعد إنتقاده الصريح للنهج الستاليني الذي كانت تتبناه قيادته آنذاك.
ويُعد موران من أبرز منظري مفهوم “الفكر المركب”، وهو المنهج الذي دعا من خلاله إلى تجاوز النظرة التجزيئية للمعرفة وربط مختلف التخصصات العلمية والإنسانية لفهم تعقيدات الواقع والإنسان والمجتمع، وقد شكلت أفكاره مرجعاً أساسياً للباحثين والأكاديميين في مختلف أنحاء العالم، وأسهمت في إعادة صياغة مقاربات حديثة لفهم الظواهر الإجتماعية والثقافية والسياسية.
وخلال مسيرته الطويلة، ألّف إدغار موران أكثر من مائة كتاب تُرجمت إلى عشرات اللغات، تناول فيها قضايا متعددة شملت الثقافة الجماهيرية، والهوية، والعولمة، والسياسة، والفن، والعلوم الإنسانية.
وكان يقدم مشروعه الفكري بإعتباره “تأملاً في الإنسان إنطلاقاً من معطيات العلم”، في مقاربة تجمع بين المعرفة العلمية والتساؤل الفلسفي.
وبعد إلتحاقه بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي بصفته باحثاً في علم الإجتماع، وسّع موران دائرة اهتماماته الفكرية لتشمل موضوعات غير تقليدية بالنسبة للبحث السوسيولوجي في تلك الفترة، من بينها الموضة والثقافة الشعبية والسينما، مساهماً بذلك في تجديد مقاربات دراسة المجتمع المعاصر.
كما لعب الراحل دوراً بارزاً في تعزيز الحوار بين مختلف الحقول المعرفية، وساهم في تأسيس المركز الدولي لدراسات البيولوجيا والأنثروبولوجيا الأساسية، انطلاقاً من إيمانه بضرورة بناء جسور بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية لفهم أكثر شمولاً للإنسان والعالم.
وعُرف موران أيضاً بمواقفه الفكرية والإنسانية الداعية إلى الحوار والتعايش، وبإنتقاداته المتكررة لصعود تيارات اليمين المتطرف في أوروبا، فضلاً عن دعواته المتواصلة إلى الدول الأفريقية للحفاظ على هويتها الثقافية وصون خصوصياتها الحضارية في مواجهة تحديات العولمة.
وبرحيل إدغار موران، يفقد الفكر الإنساني أحد أبرز رموزه المعاصرين، فيما يظل إرثه الفكري الغني شاهداً على مسيرة استثنائية امتدت لأكثر من ثمانية عقود من البحث والتأليف والتأثير في الأوساط الأكاديمية والثقافية عبر العالم.




