الإخبارية 24
يخلد الشعب المغربي، يوم غد الخميس 20 غشت، الذكرى الثالثة والسبعين لثورة الملك والشعب، إحدى أبرز المحطات في التاريخ الوطني الحديث، لما جسدته من تلاحم إستثنائي بين العرش والشعب في مواجهة الإستعمار والدفاع عن السيادة الوطنية والثوابت والمقدسات، وما شكلته من منعطف حاسم في مسار الكفاح من أجل الحرية والإستقلال.
وتستمد هذه الذكرى الوطنية مكانتها الراسخة في الذاكرة الجماعية من كونها جاءت تتويجا لمسار طويل من المقاومة والنضال الوطني، الذي إنخرط فيه المغاربة منذ فرض نظام الحماية سنة 1912، حيث واجهوا الوجود الإستعماري بمقاومة مسلحة إمتدت إلى مختلف جهات المملكة، وخاضوا معارك بطولية رسخت إرادة الدفاع عن الأرض والحرية.
ومن أبرز هذه المحطات معركة الهري بالأطلس المتوسط سنة 1914، ومعركة أنوال بالريف خلال الفترة الممتدة بين 1921 و1926، فضلا عن معركة بوغافر بورزازات ومعركة جبل بادو بالرشيدية سنة 1933، إلى جانب العديد من ملاحم المقاومة التي أبانت عن قوة الرفض الشعبي للمشروع الإستعماري وتمسك المغاربة بإستقلال وطنهم.
وبالتوازي مع المقاومة المسلحة، شهد العمل الوطني والسياسي تطورا ملحوظا، من خلال تكثيف التعبئة ونشر الوعي الوطني والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب المغربي، وصولا إلى تقديم وثيقة المطالبة بالإستقلال في 11 يناير 1944، التي شكلت محطة مفصلية في تاريخ الحركة الوطنية، ورسخت وحدة الإرادة بين العرش والحركة الوطنية في المطالبة بإستقلال المغرب وإنهاء نظام الحماية.
كما شكلت زيارة الوحدة التي قام بها جلالة المغفور له الملك محمد الخامس إلى مدينة طنجة في 9 أبريل 1947 محطة بارزة في مسار النضال الوطني، لاسيما من خلال الخطاب التاريخي الذي أكد فيه تطلع المغرب إلى الإستقلال والوحدة الوطنية، وأسهمت هذه الزيارة في تعزيز التعبئة الوطنية وترسيخ مكانة المؤسسة الملكية بإعتبارها رمزا لوحدة البلاد وحاملة لتطلعات الشعب المغربي نحو الحرية والسيادة.
وأمام تنامي المد الوطني وتصاعد التلاحم بين العرش والشعب والحركة الوطنية، لجأت سلطات الحماية إلى سياسة أكثر تشددا، إنتهت بإقدامها، في 20 غشت 1953، على نفي جلالة المغفور له الملك محمد الخامس والأسرة الملكية الشريفة، إعتقادا منها أن إبعاد رمز السيادة الوطنية من شأنه إضعاف المقاومة وتفكيك وحدة المغاربة.
غير أن القرار الإستعماري جاء بنتائج عكسية تماما، إذ تحولت عملية النفي إلى شرارة أشعلت المقاومة في مختلف أنحاء المملكة، وتصاعدت المظاهرات والإحتجاجات، وإشتدت عمليات الفداء، كما ظهرت خلايا سرية للمقاومة في عدد من المدن، لتتحول ذكرى 20 غشت إلى رمز خالد لتلاحم العرش والشعب وإستمرار الكفاح الوطني.
وخلال هذه المرحلة، قدم المغاربة تضحيات جسيمة في سبيل تحرير الوطن، وسقط عدد من الوطنيين والمقاومين شهداء، من بينهم الشهيد علال بن عبد الله الذي نفذ عمليته البطولية في 11 شتنبر 1953، فيما واصل الشهيد محمد الزرقطوني ورفاقه في خلايا المقاومة بمدينة الدار البيضاء عملياتهم ضد سلطات الإحتلال، إلى جانب مقاومين آخرين في مختلف المدن والقرى المغربية.
وتوج تصاعد المقاومة بإنطلاق عمليات جيش التحرير في شمال المملكة خلال أكتوبر 1955، في مرحلة شكلت مؤشرا واضحا على وصول الكفاح الوطني إلى مستوى جديد، وعمقت الضغط على سلطات الحماية، التي وجدت نفسها أمام إرادة شعبية متماسكة ومقاومة متصاعدة يصعب إحتواؤها.
وأمام هذا الصمود، إضطرت السلطات الإستعمارية إلى الرضوخ لإرادة العرش والشعب، فعاد جلالة المغفور له الملك محمد الخامس والأسرة الملكية الشريفة إلى أرض الوطن في 16 نونبر 1955، حاملا بشرى الإستقلال، لتدخل المملكة مرحلة جديدة عنوانها بناء الدولة الوطنية وتعزيز مؤسساتها والإنخراط في ما وصف بمرحلة “الجهاد الأكبر”، أي معركة البناء والتنمية الإقتصادية والإجتماعية وترسيخ أسس السيادة الوطنية.
وبعد الإستقلال، تواصلت مسيرة إستكمال الوحدة الترابية للمملكة. وسار جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني على نهج والده في الدفاع عن وحدة البلاد، حيث إسترجعت المملكة طرفاية في 15 أبريل 1958، ثم سيدي إفني في 30 يونيو 1969، قبل أن تبلغ هذه المسيرة محطة تاريخية بارزة بتنظيم المسيرة الخضراء سنة 1975، باعتبارها نموذجا للنضال السلمي من أجل إسترجاع الحق.
وتوجت هذه المرحلة بجلاء آخر جندي أجنبي عن الصحراء المغربية في 28 فبراير 1976، ثم إسترجاع إقليم وادي الذهب في 14 غشت 1979، لتظل هذه المحطات جزءا أساسيا من الذاكرة الوطنية المرتبطة بمسار إستكمال الوحدة الترابية.
وإذا كانت ثورة الملك والشعب قد شكلت بالأمس ملحمة وطنية للتحرر من الإستعمار وإسترجاع السيادة، فإن قيمها ودلالاتها ما تزال حاضرة في المغرب المعاصر، من خلال مواصلة مسيرة البناء والتنمية تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وتعزيز أسس الدولة الحديثة، وترسيخ التنمية الإقتصادية والإجتماعية، وتقوية حضور المملكة على الصعيدين الإقليمي والدولي، والدفاع عن وحدتها الترابية ومصالحها العليا.
وتشكل هذه الذكرى، في هذا السياق، مناسبة لإستحضار الدروس التي كرستها هذه الملحمة التاريخية، وفي مقدمتها قيم الوطنية والتضحية والوفاء والتشبث بالثوابت والمقدسات، فضلا عن إستلهام روح المقاومة والوحدة في مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية.
كما تمثل ذكرى ثورة الملك والشعب فرصة للأجيال الجديدة لإستحضار التضحيات التي قدمها المغاربة من أجل الحرية والإستقلال، والتعرف على محطات تاريخية شكل فيها التلاحم بين العرش والشعب عاملا حاسما في صيانة وحدة البلاد والدفاع عن سيادتها.
وتظل هذه الثورة، بما تختزنه من ملاحم وتضحيات، صفحة مشرقة في سجل التاريخ الوطني، وذاكرة جماعية تستمد منها الأجيال المتعاقبة قيم الصمود والوطنية والوفاء، بما يعزز روح المسؤولية في مواصلة بناء مغرب قوي ومتقدم، وصون مكتسباته والدفاع عن مصالحه العليا وترسيخ وحدته وإستقراره.




