المقاول الذاتي بالمغرب: بين الرهان الإقتصادي، الواقع الميداني، والتحديات الهيكلية

الإخبارية 244 ساعات ago
المقاول الذاتي بالمغرب: بين الرهان الإقتصادي، الواقع الميداني، والتحديات الهيكلية

بقلم إدريس العاشري / خبير إقتصادي ومالي

​تشكل المقاولة الذاتية إحدى أبرز المبادرات التي راهن عليها المغرب خلال السنوات الأخيرة لإدماج القطاع الغير المهيكل في النسيج الإقتصادي المنظم، وذلك بهدف تشجيع العمل المستقل لدى الشباب وحاملي المشاريع وتحمل المسؤولية عوض إنتظار الوظيفة سواء في القطاع الخاص أو العام.

وفي ظل التحولات الإقتصادية والإجتماعية المتسارعة، يطرح نظام المقاول الذاتي أسئلة جوهرية لدى فئة عريضة من الشباب حول مدى قدرته الفعلية على تحقيق التنمية المستدامة وضمان دخل محترم يضمن العيش الكريم والحماية الإجتماعية؟، وما إذا كان يمثل حلاً جذرياً لإشكالية البطالة أم مجرد آلية مكملة للتخفيف منها؟

قبل التطرق إلى تساؤلات الفاعلين الإقتصاديين والمستثمرين والسياسيين على مدى مساهمة المقاول الذاتي في التنمية الإقتصادية والإجتماعية للبلاد لاباس ان نقف عند بعض المعطيات المبسطة:

​1. من هو المقاول الذاتي؟
​المقاول الذاتي هو كل شخص ذاتي يزاول بصفة فردية نشاطاً تجارياً، صناعياً، حرفياً، أو خدماتياً، شريطة ألا يتجاوز السقف السنوي لمجموع رقم أعماله المحصل عليه: ​500,000 درهم بالنسبة للأنشطة التجارية والصناعية والحرفية، و ​200,000 درهم بالنسبة لتقديم الخدمات.

​يتميز نظام المقاول الذاتي بالإجراءات الإدارية، والإعفاء من التسجيل في السجل التجاري، بالإضافة إلى نظام ضريبي مخفض ومبسط يتمثل في أداء نسبة مئوية مباشرة من رقم الأعمال التصريحي.

​2. الإطار القانوني المنظم؟
​يؤطر نظام المقاول الذاتي بالمغرب القانون رقم 114.13 الصادر سنة 2015، والذي جاء بهدف إرساء مناخ مشجع للإنشاء الفردي للمقاولات والإشتغال كفاعل إقتصادي بطريقة مهيكلة ومنظمة.
ومن أبرز المقتضيات التشريعية والتنظيمية التي يضمنها هذا القانون:
​التسجيل بالمؤسسة الوطنية للمقاول الذاتي عبر السجل الوطني ببريد المغرب أو بعض المؤسسات البنكية.

​إجراءات قانونية تمنح للمقاول الذاتي:
– الإستفادة من عدم إمكانية حجز مقر السكن الرئيسي للمقاول الذاتي بسبب الديون الناجمة عن النشاط المهني.
– ​الشفافية والتبسيط الضريبي: الأداء الضريبي التفضيل عبر نظام التصريح الدوري برقم الأعمال ( كل ثلاثة أشهر ).

رغم كل هذه المكتسبات والتشجيعات لخلق مناصب شغل عبر نظام المقاول الذاتي نجد تناقضات كبيرة بين عدد المسجلين والحاصلين على بطاقة المقاول الذاتي و عدد الناشطين فعليا.

حسب المعطيات المتوفرة فإنه منذ إطلاق نظام المقاول الذاتي الذي عرف إقبالاً متزايداً من حيث طلبات التسجيل، فإن القراءة التحليلية للمؤشرات الإستثمارية والمهنية تكشف عن تباين واضح بين الأرقام الرسمية للمسجلين والنشاط الفعلي على أرض الواقع المترجم بالأرقام التالية :

– إجمالي المسجلين بالسجل الوطني تجاوز 400,000 مقاول ذاتي مسجل منذ إنطلاق النظام، في حين عدد المقاولون الناشطون التي تصرح برقم أعمال بإنتظام وتزاول نشاطاً مستمراً لا تتراوح بين 30% إلى 40% فقط.

حسب الدراسات السوسيو إقتصادية الميدانية نرجح هذا الفارق الشاسع إلى عدة عوامل، من أبرازها:

– ​إتخاذ البعض لصفة المقاول الذاتي بشكل مؤقت بإنتظار الحصول على فرصة عمل مأجور.
– ​توقف بعض المشاريع بسبب صعوبة الولوج إلى التمويل والأسواق.
– ​التعديلات الضريبية الأخيرة التي فرضت إقتطاعاً من المبدأ على الخدمات المقدمة لفائدة الشركات، مما أثر على جاذبية النظام لدى بعض المهنيين المستقلين.

بعد كل هذه المعطيات الرقمية لابأس أن نتساءل عن دور المقاول الذاتي في التنمية الإقتصادية والإجتماعية للبلاد؟.

​يلعب المقاول الذاتي دوراً مزدوجاً يجمع بين البعدين الإقتصادي والإجتماعي:

– ​على المستوى الإقتصادي: له دور كبير في ​إمتصاص وتنظيم القطاع غير الهيكلي وذلك بإدماج آلاف النشاطات الموازية ضمن الدورة الإقتصادية المنظمة.

– تطوير نسيج الخدمات والأعمال الحرة: توفير خدمات مرنة بأسعار تنافسية للمؤسسات والمواطنين.
​تعزيز الشمول المالي: تسهيل فتح الحسابات البنكية وإستخدام وسائل الدفع الإلكتروني لهذه الفئة.

– ​على المستوى الإجتماعي: ​التغطية الصحية والحماية الإجتماعية، بتحسين ظروف عيش الفئات الهشة عبر إتاحة إمكانية الإستفادة من التغطية الصحيات والتأمين.

​تمكين وتشجيع المرأة والشباب القروي والحضري على إستغلال مهاراتهم اليدوية أو الرقمية وجعلهم منتجين وفاعلين في الإقتصاد المنظم.

– ​الكرامة المهنية: تحويل العمل غير المنظم إلى عمل يعترف به القانون والمؤسسات.
سؤال مشروع يمكن طرحه من طرف الفاعلين السياسيين والإقتصاديين والشباب المغربي

​ – هل المقاول الذاتي حل سحري للبطالة؟

قطعاً لا. إن توصيف نظام المقاول الذاتي كـ “حل سحري” لإشكالية البطالة بالمغرب يعد تبسيطاً مفرطاً لظاهرة هيكلية معقدة.

فالمقاولة الذاتية تمثل آلية إمتصاص وإدماج تدريجية وليست بديلاً عن سياسات التشغيل الناجعة التي تخلق مناصب شغل قار ومستدام. ويرجع ذلك للأسباب التالية:

– عدم إستقرار الدخل: يخضع دخل المقاول الذاتي لتقلبات السوق والطلب، مما يجعله هشاً أمام الأزمات الإقتصادية.

– محدودية النمو والتوسع: بحكم السقف القانوني لرقم الأعمال والتأسيس الفردي، لا تستطيع هذه المقاولات توظيف أجراء آخرين بشكل مباشر.

– ​تحديات التمويل والوصول إلى الطلبيات العمومية: صعوبة الحصول على قروض بنكية بشروط ميسرة أو منافسة الشركات الكبرى في صفقات الدولة.
​بالتالي، يظل نظام المقاول الذاتي حلاً مساعِداً ومكملاً يخفف من حدة الضغط على سوق الشغل، لكنه يحتاج إلى منظومة دعم واضحة ليتحول أصحابه مستقبلاً إلى مقاولات صغرى ومتوسطة (TPME) قادرة على خلق فرص شغل جديدة.

ونحن ننتظر بكل شغف الإعلان عن تشكيل الحكومة بعد نتائج الإنتخابات التشريعية ل 23 شتنبر 2026.
سنختم هذه الورقة التحليلية بالسؤال التالي الذي سنناقشه بعد تشكيل الحكومة وعرض برنامجها أمام البرلمان.

– ماهو موقع المقاول الذاتي في البرنامج الحكومي للحكومة الحالية ؟

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News