الإخبارية 24 / عبد الفتاح كريم
ضربت أمطار غزيرة وإستثنائية مدينة إسطنبول التركية، متسببة في فيضانات عارمة أودت بحياة ثلاثة أشخاص، فيما لا يزال عدد من الأشخاص في عداد المفقودين، فضلاً عن إصابة آخرين وإلحاق أضرار مادية واسعة بالممتلكات والبنية التحتية، إلى جانب إضطرابات كبيرة في حركة النقل الجوي.
وتواصل السلطات التركية، اليوم الخميس، جهودها لإحتواء تداعيات هذه الأحوال الجوية القاسية، التي وُصفت بأنها الأشد من نوعها منذ بدء تسجيل المعطيات المناخية الرسمية في المدينة سنة 1942، وفق ما أكده محافظ إسطنبول، داود غول.
وبدأت التساقطات المطرية الغزيرة صباح يوم الأربعاء، قبل أن تشتد حدتها خلال النهار، ما أدى إلى تشكل سيول جارفة إجتاحت عدداً من الشوارع والأحياء، وجرفت سيارات وأغرقت مناطق سكنية وتجارية، وسط حالة من الإستنفار لدى فرق الإنقاذ والطوارئ.
حصيلة ثقيلة وعمليات بحث متواصلة عن المفقودين
في حصيلة أولية، أفادت السلطات المحلية بمصرع ثلاثة أشخاص، مع إستمرار عمليات البحث عن مفقودين جراء الفيضانات. كما سُجلت ثلاث إصابات، وصفتها المصادر الرسمية بأنها غير خطيرة، مؤكدة أن المصابين يخضعون للعلاج بالمستشفى وأن حالتهم الصحية لا تدعو إلى القلق.
وفي منطقة كاغيتهانه، الواقعة شمال إسطنبول، عثرت فرق التدخل على جثة رجل بالقرب من حديقة عامة، فيما أوضح مكتب المحافظ أن الإجراءات اللازمة لتحديد هوية الضحية لا تزال جارية.
ومن بين الضحايا، فتى يبلغ من العمر 14 عاماً، لقي مصرعه صعقاً بالكهرباء بعدما وطئت قدمه بركة من المياه، في حادث يعكس المخاطر التي تشكلها الفيضانات، خصوصاً في المناطق التي قد تتعرض فيها التجهيزات الكهربائية للغمر بالمياه.
وفي منطقة بيكوز، الواقعة في الجانب الآسيوي من المدينة، أفادت وكالة أنباء “دي إتش إيه” بوفاة رجل سقط في بئر أثناء محاولته تصريف المياه داخل ورش بناء مدرسة، دون صدور تأكيد رسمي فوري بشأن هذه الوفاة وفق المعطيات المتاحة.
مشاهد صادمة وأضرار واسعة في الأحياء المتضررة
خلفت السيول مشاهد مروعة في عدد من أحياء إسطنبول، بعدما تحولت شوارع إلى مجارٍ مائية موحلة، جرفت في طريقها السيارات والأثاث والمخلفات، وتسببت في عرقلة حركة السير وإغلاق محاور طرقية رئيسية.
وأظهرت مقاطع مصورة جرى تداولها على مواقع التواصل الإجتماعي سيارات متوقفة بمنطقة ساريير شمال المدينة، وهي تُدفع بقوة مياه السيول نحو مجرى مائي قبل أن تجرفها المياه بعيداً، في مشاهد عكست شدة التساقطات وسرعة إرتفاع منسوب المياه.
كما تسببت الفيضانات في تراكم الأغصان والحطام والسيارات في بعض الشوارع، ما جعل عدداً منها غير سالك، ودفع فرق البلدية إلى مواصلة عمليات إزالة الأنقاض وتنظيف الطرق وإعادة تأهيل المناطق المتضررة.
وسُجلت أضرار ملحوظة في الأحياء الشمالية والوسطى من الشطر الأوروبي لإسطنبول، فيما شهدت مناطق أخرى انقطاعات في الكهرباء والمياه. وفي ساريير، حاول عدد من أصحاب المحلات التجارية إنقاذ بضائعهم من المياه الموحلة التي تسربت إلى محالهم.
إجراءات إحترازية وإغلاق المدارس
أمام خطورة الوضع، أعلنت السلطات المحلية إغلاق المؤسسات التعليمية في مختلف أنحاء إسطنبول إلى غاية يوم الإثنين، في إطار التدابير الرامية إلى ضمان سلامة التلاميذ والأطر التربوية والحد من المخاطر المرتبطة بإستمرار التقلبات الجوية.
كما دعا محافظ المدينة السكان إلى تجنب مغادرة منازلهم خلال المساء إلا في حالات الضرورة القصوى، وحث القاطنين في الشقق الواقعة بالطوابق السفلى على الإنتقال مؤقتاً إلى طوابق أعلى وأكثر أماناً، تحسباً لإرتفاع منسوب المياه.
وشملت التحذيرات أيضاً الابتعاد عن مجاري الأنهار والأودية والأنفاق السفلية والمناطق المنخفضة المعرضة للغمر، مع ضرورة توخي الحيطة والحذر أثناء التنقل، خاصة في الشوارع التي تعرف تجمعات مائية أو بالقرب من المنشآت الكهربائية.
إضطرابات في حركة الطيران وإستنفار فرق الإنقاذ
لم تقتصر تداعيات الأمطار على الأحياء السكنية والطرقات، بل إمتدت إلى حركة النقل الجوي، حيث أعلنت وزارة النقل التركية تحويل مسار 43 رحلة جوية كانت متجهة إلى مطار إسطنبول، الأربعاء، بسبب الظروف الجوية غير الملائمة.
كما جرى تحويل مسار ثلاث رحلات أخرى كانت متجهة إلى مطار صبيحة غوكتشن، الواقع في الجانب الآسيوي من المدينة، في وقت عُلقت فيه عمليات الإقلاع مؤقتاً بسبب الرياح القوية.
وفي سياق متصل، أنشأت هيئة إدارة الكوارث والطوارئ التركية “آفاد” غرفة أزمة لتنسيق عمليات التدخل والإستجابة للحوادث الناجمة عن التساقطات المطرية الاستثنائية.
وبحسب المعطيات المعلنة حتى مساء يوم الأربعاء، تسببت الأحوال الجوية في تسجيل 1277 حادثة مرتبطة بالفيضانات، فضلاً عن 15 انهياراً أرضياً، ومحاصرة 47 شخصاً، إلى جانب إقتلاع سقفي مبنيين بفعل قوة الرياح وسوء الأحوال الجوية.
الفيضانات تمتد إلى ولايات تركية أخرى
إمتدت تداعيات التساقطات الغزيرة إلى عدد من الولايات المجاورة لإسطنبول، حيث شهدت مناطق أخرى في شمال غرب تركيا فيضانات وانهيارات وأضراراً متفاوتة.
ففي ولاية سكاريا، أدى إرتفاع منسوب المياه إلى إنهيار منزل مكون من طابقين، كان يقع على ضفة مجرى مائي بمنطقة صبنجة. ولم يسفر الحادث عن سقوط ضحايا، بعدما جرى إخلاء المنزل في وقت سابق، وفق المعطيات المتاحة.
أما في ولاية كوجالي المجاورة، فقد فاض مجرى مائي بمنطقة غبزة، وجرفت مياهه سائقاً تمكنت فرق الإنقاذ من الوصول إليه وإنقاذه بإستخدام الحبال.
وفي منطقة باشيسكيلي التابعة للولاية نفسها، أفادت تقارير بفقدان رجل بعدما جرفته مياه الفيضانات، في وقت تواصل فيه فرق التدخل جهودها لتحديد مكانه.
وتأتي هذه التطورات في ظل توقعات بإستمرار الأمطار الغزيرة في مناطق من تركيا خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما يرفع منسوب القلق بشأن إحتمال تجدد الفيضانات، ويدفع السلطات إلى مواصلة تعبئة فرق الإنقاذ وتعزيز التدابير الوقائية لحماية السكان والحد من الخسائر البشرية والمادية.




