حذّرت الأمم المتحدة، اليوم الأربعاء 21 أكتوبر، من إستمرار إتساع الفجوة بين التعهدات الدولية الرامية إلى خفض إنبعاثات الغازات الدفيئة والإجراءات الفعلية المتخذة لمواجهة التغير المناخي، مؤكدة أن الإلتزامات الحالية لا تزال بعيدة عن تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ، وقد تقود إلى إرتفاع متوسط درجة حرارة الأرض بنحو 2.6 درجة مئوية بحلول نهاية القرن الجاري، حتى في حال تنفيذ الحكومات تعهداتها المناخية بالكامل.
وجاء هذا التحذير في التقرير السنوي للفجوة في الإنبعاثات الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، والذي يسلط الضوء على التحديات المتزايدة التي تواجه الجهود الدولية للحد من الإحترار العالمي، في ظل إستمرار إنبعاثات الغازات المسببة للإحتباس الحراري عند مستويات مرتفعة، وبطء وتيرة الإنتقال نحو أنظمة طاقة أقل تلويثاً للبيئة.
ويبرز التقرير حجم التباعد بين الأهداف المناخية المعلنة والسياسات المعتمدة على أرض الواقع، في وقت يستعد فيه قادة العالم للمشاركة في مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ “كوب31″، المرتقب تنظيمه في مدينة أنطاليا التركية خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 20 نونبر، وسط ترقب لمواقف الدول بشأن تعزيز إلتزاماتها بخفض الإنبعاثات وتسريع تنفيذ اتفاق باريس.
أهداف إتفاق باريس تواجه تحديات متزايدة
يشير التقرير إلى أن التعهدات المناخية الحالية، حتى في حال تنفيذها بشكل كامل، لن تكون كافية لإبقاء الإحترار العالمي ضمن الحدود المتفق عليها في اتفاق باريس لعام 2015، الذي يهدف إلى حصر إرتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية في أقل بكثير من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة الجهود للحد من الإرتفاع عند 1.5 درجة مئوية.
وبحسب التقرير، فإن عقوداً من التأخر في إتخاذ إجراءات مناخية كافية جعلت تحقيق هدف 1.5 درجة مئوية أكثر صعوبة، في ظل إستمرار الإعتماد على الوقود الأحفوري وتزايد الضغوط الناجمة عن الأنشطة الإقتصادية والصناعية.
أما في حال إستمرار السياسات الحالية دون إدخال تغييرات جوهرية، فيتوقع التقرير أن يصل إرتفاع درجة حرارة الأرض إلى نحو 2.8 درجة مئوية بحلول عام 2100، وهو سيناريو ينذر بتفاقم المخاطر البيئية والصحية والإقتصادية على المستوى العالمي.
وفي هذا السياق، شدد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، على أن العالم لم يعد قادراً على تفادي تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية وفق المسار الحالي، محذراً من أن تداعيات الإحترار أصبحت ملموسة من خلال الفيضانات المميتة وموجات الحر الشديدة وحرائق الغابات، وما يرافقها من خسائر بشرية وإضطرابات إقتصادية وإتساع الفوارق الإجتماعية.
وأكد غوتيريش أن الفئات الأقل مساهمة في الإنبعاثات هي غالباً الأكثر تعرضاً لتداعيات التغير المناخي، ما يعيد إلى الواجهة مسألة العدالة المناخية وتقاسم المسؤوليات بين الدول وفق حجم مساهمتها في الإنبعاثات وقدراتها الإقتصادية.
الإنبعاثات العالمية تواصل تسجيل مستويات مرتفعة
أفاد التقرير بأن إجمالي إنبعاثات الغازات الدفيئة العالمية خلال عام 2025 ظل قريباً من المستويات القياسية المسجلة في العام السابق، مع وجود فارق محدود للغاية بين العامين يصعب تحديده بدقة.
كما سجلت الإنبعاثات الناتجة عن حرق الفحم والنفط والغاز إرتفاعاً طفيفاً خلال 2025 مقارنة بعام 2024، وهو ما يعكس إستمرار الإعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية، رغم الجهود الدولية الرامية إلى تسريع التحول الطاقي وتوسيع إستخدام مصادر الطاقة المتجددة.
وأكد غوتيريش أن الحاجة إلى خفض الإنبعاثات بشكل فوري وكبير أصبحت أكثر إلحاحاً، مشيراً إلى أن الخطط المناخية الوطنية والسياسات المعتمدة لا تزال دون المستوى المطلوب لمواجهة حجم التحديات المطروحة، وتتحمل دول مجموعة العشرين، وفق المعطيات الواردة في التقرير، نحو 75 في المائة من الإنبعاثات العالمية، ما يجعل القرارات التي تتخذها هذه الاقتصادات الكبرى عاملاً حاسماً في تحديد مسار الإحترار العالمي خلال العقود المقبلة.
وفي هذا الصدد، دعا الأمين العام للأمم المتحدة جميع الدول، ولا سيما الدول الأكثر مساهمة في الانبعاثات، إلى تكثيف جهودها واعتماد سياسات أكثر طموحاً للحد من إرتفاع حرارة الكوكب.
تفاوت في مستويات الإنبعاثات بين الإقتصادات الكبرى
تكشف البيانات الأولية المتعلقة بعام 2025 عن تباين في تطور الإنبعاثات لدى عدد من أكبر الجهات المسببة للتلوث في العالم، فقد سجلت الولايات المتحدة وإندونيسيا والصين إرتفاعاً في الإنبعاثات، في حين شهدت الهند وروسيا والاتحاد الأوروبي تراجعاً في مستوياتها.
وسجلت الولايات المتحدة أكبر زيادة من حيث الحجم، بلغت 133 ميغاطناً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، مدفوعة بارتفاع الطلب على الكهرباء وإنتعاش إنتاج الطاقة باستخدام الفحم.
وجاءت تركيا في المرتبة التالية من حيث الزيادة المسجلة، في وقت تستعد فيه لإستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ “كوب31″، الذي ينتظر أن يشكل محطة مهمة لمناقشة سبل تعزيز العمل المناخي الدولي.
ووفق آن أولهوف، المشاركة في إعداد التقرير، فإن التوقعات الواردة في النسخة الأخيرة تبدو أقل تفاؤلاً مقارنة بتقرير العام الماضي، نتيجة مراجعة تقديرات الإنبعاثات السابقة وتطورات السياسات المناخية الدولية، بما في ذلك الإنسحاب الرسمي للولايات المتحدة من إتفاق باريس، وأضافت أن وتيرة نمو الإنبعاثات تباطأت لدى مجموعة العشرين عموماً، غير أن الولايات المتحدة شكلت إستثناءً بارزاً في هذا الاتجاه.
من جهتها، حذرت إنغر أندرسن، المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، من أن التغير المناخي لا يستثني أي دولة، مؤكدة أن آثاره تطال مختلف مناطق العالم، بما فيها الولايات المتحدة، من خلال الظواهر المناخية المتطرفة وما تسببه من خسائر وأضرار.
كل زيادة إضافية في الحرارة تضاعف المخاطر
يحذر العلماء من أن كل جزء إضافي من الدرجة المئوية فوق عتبة 1.5 درجة يزيد من شدة الظواهر الجوية المتطرفة، ويرفع إحتمالات حدوث تحولات بيئية قد يصعب عكسها، وتشمل هذه المخاطر تدهور الشعاب المرجانية، وتسارع ذوبان الجليد والتربة الصقيعية، فضلاً عن إرتفاع مستويات البحار وتزايد احتمالات موجات الحر والجفاف والفيضانات، بما يهدد النظم البيئية والأمن الغذائي والمائي في مناطق مختلفة من العالم.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، إرتفعت حرارة العالم بالفعل بنحو 1.4 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، فيما تشير التوقعات إلى احتمال تجاوز عتبة 1.5 درجة خلال السنوات المقبلة.
ولا تقتصر آثار هذا المسار على البيئة وحدها، بل تمتد إلى الصحة العامة والبنيات التحتية والأنشطة الإقتصادية، مع تعرض المجتمعات الأكثر هشاشة لمخاطر أكبر بسبب محدودية إمكاناتها في التكيف مع الظواهر المناخية المتطرفة.
خفض الإنبعاثات بنسبة 6 في المائة سنوياً لإستعادة مسار 1.5 درجة
في محاولة لتوضيح حجم الجهود المطلوبة، يستعرض التقرير سيناريو يحتمل، بنسبة 50 في المائة، إعادة الإحترار العالمي إلى مستوى 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2100، ويفترض هذا السيناريو بلوغ الإحترار ذروته عند نحو 1.8 درجة مئوية بحلول عام 2050، قبل أن يبدأ في الإنخفاض تدريجياً، وهو ما يستلزم إزالة كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.
غير أن تحقيق هذا المسار يتطلب خفض الإنبعاثات العالمية بنسبة 6 في المائة سنوياً، إبتداءً من الآن وحتى عام 2035، وهي وتيرة تفوق بكثير ما تعكسه التعهدات والسياسات الحالية.
وفي هذا الإطار، دعا بيل هير، المدير التنفيذي لمعهد “كلايمت أناليتكس” المتخصص في السياسات المناخية، الحكومات إلى التحرك الفوري وإعتماد سياسات تسرّع الحد من إستخدام الوقود الأحفوري، باعتباره أحد المصادر الرئيسية للإنبعاثات المسببة للإحتباس الحراري.
“كوب31” أمام إختبار تعزيز الإلتزامات المناخية
من المنتظر أن يشكل مؤتمر المناخ “كوب31” محطة جديدة لإختبار مدى إستعداد الدول لتحويل تعهداتها إلى إجراءات عملية، خصوصاً في ما يتعلق بخفض الإنبعاثات وتسريع التحول الطاقي وتوفير التمويل اللازم لمساعدة الدول النامية على مواجهة آثار التغير المناخي.
وتطالب دول نامية، ولا سيما الأكثر عرضة للمخاطر المناخية، الدول الصناعية الكبرى بتحمل مسؤوليات أكبر في خفض الإنبعاثات وتوفير الدعم المالي والتقني، معتبرة أن التفاوت في المساهمات التاريخية في التلوث ينبغي أن ينعكس على حجم الإلتزامات والموارد المخصصة لمواجهة الأزمة.
ووصف محمد أدو، مدير مركز “باور شفت أفريكا” للأبحاث، الوضع بأنه إخفاق في القيادة السياسية، معتبراً أن إستمرار التأخر في إتخاذ إجراءات حاسمة يرفع الكلفة البشرية والإقتصادية للتغير المناخي.
ورغم التحذيرات المتزايدة بشأن صعوبة الحفاظ على هدف 1.5 درجة مئوية، شدد غوتيريش على أن تجاوز هذه العتبة لا ينبغي أن يعني الإستسلام، مؤكداً ضرورة مواصلة الجهود لخفض الإنبعاثات إلى أقصى حد ممكن والحد من حجم الإحترار وتداعياته.
ويخلص التقرير إلى أن مستقبل المناخ العالمي سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الحكومات على الإنتقال من التعهدات إلى التنفيذ، وتسريع التخلي التدريجي عن مصادر الطاقة الأكثر تلويثاً، وتعزيز التعاون الدولي، قبل أن تصبح الأضرار المناخية أكثر إتساعاً وكلفة على الإنسان والإقتصاد والبيئة.




