“الهاربون من تندوف” فيلم سينمائي يستحضر معاناة الأسرى المغاربة ورحلة العودة إلى الوطن

الإخبارية 242 نونبر 2026
“الهاربون من تندوف” فيلم سينمائي يستحضر معاناة الأسرى المغاربة ورحلة العودة إلى الوطن

الإخبارية 24 / عبد الفتاح كريم 

إحتضنت قاعات سينما “ميغاراما” بالدار البيضاء العرض ما قبل الأول للفيلم السينمائي “الهاربون من تندوف”، وذلك في أجواء وطنية تتزامن مع الإحتفالات بعيد الوحدة، وعلى بُعد أيام من تخليد الذكرى المجيدة للمسيرة الخضراء. وقد شهدت هذه الأمسية حضور عدد من الشخصيات العامة والمؤسساتية، إلى جانب فنانين وإعلاميين وشركاء العمل وأعضاء فريقه الفني والتقني.

ويقدم الفيلم، من خلال معالجة سينمائية تستند إلى وقائع وشهادات إنسانية، صورة عن معاناة مغاربة عاشوا سنوات طويلة من الأسر داخل مخيمات تندوف، قبل أن يقرروا خوض مغامرة محفوفة بالمخاطر لإستعادة حريتهم والعودة إلى أرض الوطن، في رحلة تختزل معاني الصمود والتشبث بالهوية والإنتماء الوطني، رغم قسوة الظروف وطول سنوات الغياب.

ويستمد هذا العمل السينمائي مادته من شهادات جمعها الكاتب والإعلامي عبد الحق نجيب، كما يقتبس أحداثه من كتابه “ظل على الرمال” (Une ombre sur le sable)، الذي يوثق جوانب من هذه التجارب الإنسانية المؤلمة. ويتتبع الفيلم تفاصيل رحلة الفرار الشاقة عبر الصحراء، وما واجهه أبطالها من جوع وعطش وإنهاك ومخاطر طبيعية، في سبيل تحقيق هدف واحد ظل حاضراً في وجدانهم: إستعادة الحرية والعودة إلى المغرب.

ولا يقتصر العمل على إستحضار تفاصيل الهروب من الأسر، بل يمتد إلى تناول أبعاد الذاكرة الجماعية وتأثير التجارب المؤلمة على الأجيال اللاحقة، من خلال سرد سينمائي ينتقل بين ثلاث محطات زمنية رئيسية؛ أولها سنة 1974، التي شهدت أسر أبطال القصة، ثم سنة 2000، التي تمكنوا خلالها من الفرار، وصولاً إلى الزمن الحاضر.

وفي المحطة الأخيرة، يتابع الفيلم رحلة إبن أحد الفارين في محاولة لإكتشاف ماضي والده وإعادة تركيب تفاصيل تجربته، بما يفتح المجال أمام مساءلة العلاقة بين الذاكرة الفردية والتاريخ الجماعي، وكيف تنتقل الحكايات والتجارب الإنسانية من جيل إلى آخر، كما يسلط الضوء على معاناة أسر ظلت قصصها، لسنوات طويلة، بعيدة عن إهتمام الرأي العام، رغم ما تحمله من تفاصيل إنسانية مؤثرة.

وقد شكلت الأمسية مناسبة لإستحضار روح الفنان المغربي الراحل محمد الشوبي، الذي شارك في الفيلم، حيث جرى تكريم ذكراه تقديراً لمساره الفني وإسهاماته في إثراء المشهد الثقافي والإبداعي الوطني. ويعد الراحل من الأسماء التي بصمت الساحة الفنية المغربية بأعمال متميزة في مجالات المسرح والتلفزيون والسينما، بفضل أدائه المتفرد وقدرته على تجسيد مختلف الشخصيات. ويحمل حضوره في “الهاربون من تندوف” دلالة خاصة، بإعتباره من بين آخر مشاركاته السينمائية.

ويضم طاقم الفيلم مجموعة من الممثلين المغاربة، من بينهم إدريس الروخ، وكمال حيمود، وإيمان قنديلي، وعلياء بنشيخ، وياسين عبد القادر، ومحمد سموكة، الذين يجسدون شخصيات تنتمي إلى سياق درامي يستحضر مرحلة من التاريخ المغربي المعاصر، ويعيد تقديمها من زاوية إنسانية وفنية.

وتعود فكرة إنجاز هذا العمل إلى شهادات جمعها عبد الحق نجيب قبل نحو عقدين من الزمن، والتي شكلت منطلقاً لمشروع سينمائي يروم نقل هذه التجارب من دائرة الروايات والشهادات إلى الشاشة الكبيرة، وإتاحة الفرصة أمام الجمهور للتعرف على جوانب من معاناة أشخاص عاشوا تجربة الأسر والحرمان من الحرية، وما رافقها من آلام وتضحيات.

ومن خلال هذا العمل، يسعى “الهاربون من تندوف” إلى تقديم قراءة سينمائية لصفحة مؤلمة من التاريخ المغربي المعاصر، مع إبراز قوة التعلق بالوطن والإرادة الإنسانية في مواجهة المحن، موجهاً تحية تقدير إلى الذين تمكنوا من الفرار وإستعادة حريتهم والعودة إلى بلادهم، وإلى أولئك الذين لم تتح لهم الظروف فرصة العودة.

ويأتي عرض الفيلم في سياق وطني يستحضر محطات بارزة من تاريخ المملكة وذاكرتها الجماعية، ليمنح هذه القصة بعداً يتجاوز السرد السينمائي نحو توثيق الذاكرة الإنسانية والتعريف بتجارب ظلت لسنوات طويلة خارج دائرة الضوء.

ومن المرتقب أن تنطلق عروض فيلم “الهاربون من تندوف” بالقاعات السينمائية بمختلف أنحاء المملكة إبتداءً من 4 نونبر 2026، ليكون بذلك متاحاً أمام الجمهور المغربي لإكتشاف هذا العمل الذي يجمع بين الدراما والتاريخ والذاكرة الوطنية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News