الإخبارية 24
وجه جلالة الملك محمد السادس، اليوم الأربعاء، رسالة سامية إلى المشاركين في الدورة الأولى لـ “اليوم الوطني للصناعة” التي تحتضنها مدينة الدار البيضاء.
وفي ما يلي نص الرسالة الملكية التي تلاها وزير الصناعة والتجارة رياض مزور:
“الحمـد لله، والصـلاة والسـلام عـلى مـولانـا رسـول الله وآلـه وصحبـه.
حضـرات السيـدات والسـادة،
إنه لمن دواعي سرورنا أن نتوجه إلى المشاركين في هذه الدورة الأولى لـ “اليوم الوطني للصناعة”. وقد أبينا إلا أن نسبغ رعايتنا السامية على هذه التظاهرة، تأكيداً منا للإهتمام الذي نوليه للنهوض بهذا القطاع الحيوي، ضمن النسيج الإقتصادي الوطني، الذي يعد رافعة أساسية ودعامة للتنمية الإجتماعية والإقتصادية الشاملة والمستدامة.
لذلك، نتطلع إلى أن يُدرَج هذا اليوم الوطني للصناعة ضمن رزنامة التظاهرات الإقتصادية الكبرى، كموعد سنوي لهذا القطاع والفاعلين فيه. كما نوجه لتنظيم دوراته المقبلة على صعيد الجهات، من أجل إبراز القدرات الصناعية المحلية وتدارس التحديات الخاصة المرتبطة بكل جهة.
حضـرات السيـدات والسـادة،
لقد سجل المغرب تقدما هاما في القطاع الصناعي على مدى العقدين الأخيرين بفضل إعتماد الصناعة المغربية لمبدأ الإنفتاح الإقتصادي العالمي وإستنادها إلى إستراتيجيات طموحة وواضحة، نابعة من رؤية مجالية شاملة.
فقد صُممت هذه الإستراتيجيات لتجعل من الصناعة رافعة محورية للتنمية الإقتصادية في المغرب، ومصدراً رئيسياً لتوفير فرص الشغل، ومحفزاً للإستثمار المنتج وللتصدير، وقاطرة للنمو والتنمية في خدمة المواطن. كما تمت مواكبتها بشبكة من البنيات التحتية الصناعية واللوجستية والطاقية، وبإصلاحات هيكلية، بهدف تحسين مناخ الأعمال، والرقي بتكوين الكفاءات، والرفع من تنافسية الصناعة المغربية.
وبفضل ذلك وبما تنعم به المملكة من إستقرار سياسي وماكرو-إقتصادي، وخبرة صناعية، تمكنت الصناعة المغربية، من أن تركز تموقعها على مهن وتخصصات على درجة عالية من التقنية، وتصبح محركاً للنمو والإنتاج والتصدير.
وبذلك أصبح المغرب اليوم وجهة عالمية لا غنى عنها بالنسبة لقطاعات متطورة كصناعة السيارات، التي تتبوأ فيها بلادنا مركز الريادة على الصعيد القاري؛ وصناعات الطيران، حيث توفر المملكة منصة ذات جاذبية لإنتاج ما تتطلبه هذه الصناعات من معدات ومكونات وقطع غيار.
كما عززت المملكة موقعها كفاعل رئيسي في مجال الأمن الغذائي العالمي، والإفريقي على وجه الخصوص، من خلال تطوير صناعة الأسمدة، بحيث صارت توفر للفلاحين منتجات تتميز بجودتها العالية، وأسعارها المناسبة، وتراعي إحتياجات التربة والزراعات في كل منطقة.
ومن جهتها، تساهم الصناعات الغذائية الوطنية في تثمين موارد بلادنا السمكية والفلاحية، وفي تعزيز السيادة الغذائية.
كما إستفاد قطاع النسيج والجلد من التحولات التي طالت سلاسل القيم العالمية، من خلال تركيز تموقعه في قطاعات مستدامة وذات قيمة مضافة عالية.
وقد تعززت قدرة صناعتنا على الصمود في وجه التحديات، من خلال الدور الهام الذي قامت به هذه القطاعات، وقطاعات أخرى شهدت دينامية نمو مماثلة، لاسيما على مستوى التصدير. وهو ما مكّنها من الحد من وقع أزمة كوفيد- 19، والإضطلاع بدور حيوي في تعزيز السيادة الصناعية والصحية والغذائية لبلادنا.
حضـرات السيـدات والسـادة،
لقد أدت الأزمة الإقتصادية العالمية الحالية، المتسمة بالنزاعات الجيوسياسية، إلى بروز عدد من مناطق التوتر والإضطراب، زادت من حدتها التغيرات المناخية وإنعكاساتها المتعاظمة، مما أثر سلبا على تأمين الإمدادات الحيوية وتضخم أسعارها. وبالنظر إلى هشاشة سلاسل القيم العالمية، وفي ظل الإعتماد الكبير على الواردات، فإن سيادة بلادنا في هذا المجال تظل في صلب الأولويات. ومن هنا، فالصناعة الوطنية مدعوة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تعزيز الإنتاج المحلي بشكل تنافسي، من أجل تقليص هذا الإعتماد، ودعم قدرتنا على الصمود والرفع من مستوى تنافسيتنا، وترسيخ مكانة المغرب في القطاعات الواعدة.
كما ينبغي الإستعداد الكامل لولوج عهد صناعي جديد، يتخذ من مفهوم السيادة هدفاً ووسيلة. ولكسب هذا التحدي، فإن بلدنا تحتاج، إلى صناعة تستوعب أنشطة وخبرات جديدة، وتوفر المزيد من فرص الشغل.
لذلك، يتعين على القطاع الصناعي أن يجعل من القدرة على توفير مناصب شغل قارة للشباب رهانه الأول، إذ لا سبيل لتحقيق أي طموح صناعي بدون رأسمال بشري يتمتع بالقدرات والكفاءات العالية.
وبالتالي، فلا بد للنسيج الصناعي الجديد من تعميم ملاءمة الرأسمال البشري مع الحاجيات الخاصة للمشاريع الصناعية، وتقوية المهارات التدبيرية. ولتحقيق ذلك، يتعين تأمين تكوين جيد للشباب يستجيب للحاجيات والتحولات الجديدة، وينفتح على التكنولوجيات الحديثة، وذلك في إطار شراكة معزَّزة بين القطاعين العام والخاص.
كما يتوجب أيضاً إرساء آليات المواكبة وتوسيع نطاقها، من أجل تعزيز البنية التحتية التكنولوجية والبحث والتطوير داخل المقاولات المغربية، مع إحداث منظومة تضم القطاع الصناعي والجامعات ومراكز البحث، من أجل دعم الإبتكار وجعله محركاً لنمو الصناعة المغربية.
ومن جهة أخرى، يستلزم هذا الارتقاء المنشود على مستوى الصناعة تسريعَ تحقيق رهان الإنتاج الخالي من الكربون، بإعتماد الكهرباء المولدة من مصادر متجددة وبأسعار تنافسية، والرفع من الكفاءة الطاقية.
ولا بد للقطاع الصناعي المغربي أن يسهم في المحافظة على الموارد المائية، عبر ترشيد إستخدام الماء، وإعادة إستعمال المياه العادمة، وإعتماد التكنولوجيات والحلول الجديدة.
وهكذا يمكن للمملكة أن تصبح نموذجا مرجعياً في مجال أنماط الإنتاج المسؤولة والمستدامة والخالية من الكربون، مما سيتيح إستقطاب المستثمرين الأجانب الباحثين عن فرص في قطاعات الإقتصاد الأخضر.
حضـرات السيـدات والسـادة،
بالنظر لأهمية ما حددناه من أولويات، وإعتبارا لما يضطلع به القطاع الخاص من دور بجانب دور الدولة في القطاع الصناعي، ومسؤوليته في رفع التحديات وإستغلال الفرص المتاحة؛ فإننا ندعو هذا الأخير إلى الإستفادة من الدينامية التي أطلقها الميثاق الجديد للإستثمار، وإستغلال التحفيزات المتعددة الموجهة للإستثمار الخاص حسب الجهة، إعتبارا لخصوصيات كل جهة ومواردها ومؤهلاتها، بما يتيح لكل منها إقامة قطب إقتصادي قادر على توفير فرص الشغل، وتحقيق الإستغلال الأمثل للإمكانات الإنتاجية للمجالات الترابية.
كما ندعوه إلى توجيه جهوده نحو الإستثمار المنتج الذي تنخرط فيه علامات تجارية مغربية، بما في ذلك الإستثمار في القطاعات المتطورة والمستقبلية الداعمة للإبتكار، وتطوير جيل جديد من المقاولات، عبر مجموع التراب الوطني ؛ مساهما بذلك في أوراش التنمية التي تعرفها بلادنا، بما يخدم مصلحة الوطن والمواطنين.
وفي الأخير، نأمل أن يشكل هذا الملتقى الوطني مناسبة لإرساء أسس سليمة ومتينة للنهوض بالقطاع الصناعي في بلادنا، حتى نجعل منه محركاً للنمو والتنمية المستدامة، وأداة لإنتاج القيمة وتوفير فرص الشغل.
نسأل الله أن يسدد خطاكم ويتوج بالنجاح والتوفيق أشغالكم.
والسـلام عليكـم ورحمـة الله تعـالـى وبـركـاتـه “.




