الخطاب الملكي: خارطة طريق شاملة لمغرب المستقبل

الإخبارية 244 ساعات ago
الخطاب الملكي: خارطة طريق شاملة لمغرب المستقبل

بقلم المصطفى بلقطيبية

في لحظة وطنية فارقة، إفتتح جلالة الملك محمد السادس الولاية التشريعية الجديدة للبرلمان المغربي، مُلقياً خطاباً سامياً حمل مضامين عميقة ترسم معالم المرحلة القادمة وتُحدّد أولوياتها الإستراتيجية. لم يكن الخطاب الملكي مجرد إعلان عن بدء دورة تشريعية، بل جاء بمثابة خارطة طريق شاملة ورؤية مُتكاملة لمغرب المستقبل، تستند إلى مرتكزات صلبة وتطمح إلى تحقيق إنجازات نوعية.

وقد إستهل جلالته الخطاب بالتأكيد على اعتزازه العميق بهويته المغربية وبالجذور الحضارية والدينية الأصيلة للمملكة، وهي الهوية التي تظل مصدراً للقوة والتميز. وقد نوّه جلالته بالمكاسب السياسية والدبلوماسية الهامة التي تحققت، فضلاً عن المنجزات التنموية والإقتصادية والإجتماعية التي غيّرت وجه البلاد، كما أشار جلالته إلى أن هذا الإعتزاز ليس تباهاً بالماضي، بل هو الحافز الأساسي لتحويل الإنتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني مقدس يُلزم الجميع بالعمل الجاد من اجل رفعة الوطن.

وفي رسمه لمعالم المرحلة القادمة، أكد جلالة الملك أن الولاية التشريعية الجديدة تأتي في ظرفية إستثنائية حافلة بالفرص التي يتعين إستثمارها لمواصلة مسيرة الإنجازات، وشدد جلالته على طموحه في جعل المغرب قوة إقتصادية صاعدة وموثوقة على الصعيد الإقليمي والدولي، مع الحرص التام على تحقيق التوازن المنشود بين النمو الإقتصادي وتعزيز العدالة الإجتماعية والمجالية، لضمان إستفادة كافة شرائح المجتمع وكل مناطق المملكة من ثمار التنمية.

وضمن هذا المنظور الإستراتيجي، دعا جلالة الملك إلى ضرورة تسريع وثيرة المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية، وإطلاق جيل جديد من الإستراتيجيات الكبرى في مجالات حيوية ومفصلية، وقد حظيت قضايا الأمن المائي والطاقي والغذائي، وكذا الإقلاع الصناعي، والإقتصاد الرقمي، والذكاء الإصطناعي، بحيز هام في التوجيهات الملكية السامية، بإعتبارها ركائز أساسية لبناء إقتصاد قوي ومستدام وقادر على مواجهة التحديات المستقبلية.

وفي هذا السياق، لم يفت جلالته التأكيد على الدور المحوري للقطاع الخاص الوطني، حيث دعاه للإرتقاء إلى فاعل إستراتيجي حقيقي في التحول التنموي بالبلاد، وحث جلالته المقاولين ورجال الأعمال على التحلي بروح المبادرة والإبتكار، وتعزيز قدراتهم على الإستثمار، التصدير، وخلق فرص الشغل المنتجة، مبرزاً أن هذه الدينامية هي الكفيلة بتسريع النمو الإقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة.

وإنطلاقاً من إيمان جلالته الراسخ بأن الشباب هم الثروة الحقيقية للبلاد وقادة المستقبل، شدد الخطاب الملكي على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية. ودعا جلالته إلى صياغة تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص في مجالات التعليم، التأهيل، والإدماج الإقتصادي، لتمكين الشباب من تفجير طاقاتهم الإبداعية، وتعزيز ثقتهم في مؤسسات وطنهم، وبناء مستقبل أفضل يضمن لهم الكرامة والإستقرار.

وعلى المستوى الترابي، أكد جلالة الملك على أن الرهان الحقيقي للمرحلة القادمة هو العمل الميداني والنزول إلى الأرض للوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة والعمل على إيجاد حلول واقعية وملموسة لها. وفي هذا الصدد، شدد جلالته على ضرورة التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، بما يقتضيه من نقل حقيقي للصلاحيات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الأقاليم والجهات.

كما دعا إلى وضع حد للعراقيل التي تعيق عمل مؤسسات الجهة، وتحديد الإختصاصات بوضوح، والرفع من مواردها المادية والبشرية، مع تنظيم العلاقات بين الدولة والجهات ووضع آليات للتنسيق والتعاقد لتمكين الجهات من إتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع التنموية بكفاءة وإستقلالية.

أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد جدد جلالة الملك التأكيد على ترسيخ مكانة المملكة كشريك مسؤول وموثوق، يحرص على تنفيذ إلتزاماته وينتظر من شركائه نفس التعامل القائم على الإحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وقد حظيت قضية الهجرة بحيز هام في الخطاب الملكي، حيث إعتبر جلالته أن النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال قد تجاوزه الزمن، مشيراً إلى الأزمات المتكررة كدليل قاطع على ذلك.

كما تطرق الملك إلى التحديات الكبيرة التي تواجهها اليوم الشراكة المغربية الإسبانية بسبب مقتضيات قانونية وقرارات قضائية بعيدة عن الواقع تحول دون ترحيل القاصرين وطالبي اللجوء، مما يغذي الشبكات الإجرامية. وفي رد حازم وصريح، عبر جلالته عن رفض المغرب القاطع لكافة أشكال الضغوط والتصريحات اللامسؤولة والإستغلال السياسي والإعلامي، مؤكداً أن الشراكة هي إختيار سيادي وإلتزام إرادي، ولن تكون أبداً محل أي إبتزاز أو تهديد. وأعلن جلالته عن تقديم المغرب لوثيقة تتضمن رؤية إستراتيجية واضحة وعملية لتأسيس توجه جديد يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الإقتصادية والإستقرار الإقليمي.

وختم جلالة الملك محمد السادس خطابه السامي بتذكير البرلمانيين بمسؤوليتهم الجسيمة، مؤكداً أن إنتدابهم هو إلتزام سياسي وتعاقد أخلاقي مع المواطنين، وليس تشريفاً أو منصباً. ودعا جلالته البرلمانيين ليكونوا في مستوى هذه المسؤولية الوطنية أمام الله والمواطنين والتاريخ، والعمل بتفان وإخلاص من أجل تحقيق تطلعات الشعب المغربي في التقدم والإزدهار والعيش الكريم.

لقد جاء الخطاب الملكي بمثابة وثيقة مرجعية شاملة ترسم معالم مستقبل مشرق للمغرب، وتضع الجميع أمام مسؤولياته التاريخية للمساهمة في بناء مغرب قوية ومزدهرة وآمنة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News