بين الإعفاء الضريبي ومحنة المعاشات: قراءة في سؤال الإنصاف الإجتماعي بقانون المالية 2027

الإخبارية 2426 أكتوبر 2026
بين الإعفاء الضريبي ومحنة المعاشات: قراءة في سؤال الإنصاف الإجتماعي بقانون المالية 2027

بقلم: إدريس العاشيري

ماذا يعني تثمين المكتسبات الإجتماعية إذا لم تنعكس آثارها بصورة منصفة على مختلف فئات المجتمع؟ وإلى أي حد يمكن أن تسهم التدابير التي يحملها مشروع قانون المالية لسنة 2027 في تعزيز الدولة الإجتماعية وضمان الكرامة الإقتصادية للمواطنين، بمن فيهم المتقاعدون؟

في البداية، لا يسعنا إلا التنويه بكل التدابير الإيجابية الرامية إلى تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وتخفيف الأعباء الضريبية، وتعزيز الحماية الإجتماعية، ومن بين الإجراءات التي تستحق الإهتمام والنقاش:

– الرفع التدريجي من الحد الأدنى للمعاشات، بإعتباره مدخلاً لتحسين وضعية الفئات ذات الدخل المحدود.

– الإعفاءات والتخفيضات الضريبية المرتبطة بأجور العاملين النشيطين، بما قد يسهم في تحسين دخلهم الصافي ومواجهة آثار غلاء المعيشة.

– تحسين وضعية الأرامل، من خلال التدابير الرامية إلى تعزيز حقوقهن في الإستفادة من معاش الزوج المتوفى، وفق الشروط والمقتضيات القانونية المعتمدة.

إن هذه التوجهات، متى تأكد إقرارها وإتضحت شروط الإستفادة منها، يمكن أن تشكل خطوات مهمة في مسار الإصلاح الإجتماعي. غير أن تثمينها لا يمنع من إخضاعها لتحليل إقتصادي وإجتماعي موضوعي، غايته قياس أثرها الفعلي على القدرة الشرائية، وتحديد الفئات التي قد لا تستفيد منها بالقدر الكافي.

ومن هنا يبرز سؤالنا الجوهري، كيف يمكن ضمان توزيع أكثر إنصافاً لثمار الإصلاحات الإجتماعية، حتى لا يبقى المتقاعد ذو المعاش المحدود خارج دائرة التحسين الفعلي لمستوى العيش؟

أولاً: المتقاعد ليس عبئاً، بل شريك في بناء الثروة الوطنية
إن قراءة الدور الإقتصادي والإجتماعي للمتقاعد المغربي تكشف أنه ليس فئة منفصلة عن الدورة الإنتاجية، ولا مستفيداً طارئاً من موارد الدولة بمجرد إنتهاء مساره المهني، بل هو مواطن ساهم، على مدى سنوات طويلة، في بناء الإقتصاد الوطني وتطوير مؤسساته ومرافقه.

فقد أسهم موظفو القطاع العام في ضمان إستمرارية الإدارة والخدمات العمومية، بينما ساهم أجراء القطاع الخاص وأطره في تطوير المقاولات الصناعية والفلاحية والتجارية والخدماتية، وفي خلق الثروة وتعزيز النشاط الإقتصادي.

كما ساهم العاملون، وفق الأنظمة التي ينتمون إليها، في تمويل منظومة التقاعد عبر الإقتطاعات والمساهمات المرتبطة بعملهم، سواء من خلال الصندوق المغربي للتقاعد (CMR)، أو الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي (CNSS)، أو الصندوق المهني المغربي للتقاعد (CIMR)، وبالتالي، فإن ضمان معاش يحفظ الحد الأدنى من الكرامة ليس صدقة إجتماعية، بل هو جزء من الغاية الأساسية لأنظمة التقاعد، مع مراعاة الإلتزامات المالية لكل نظام وشروطه القانونية.

فالتقاعد ينبغي أن يكون إنتقالاً إلى مرحلة من الإستقرار، لا مدخلاً إلى الهشاشة الإقتصادية والإجتماعية أو سبباً في الإعتماد الإضطراري على أفراد الأسرة.

ومن هذا المنطلق، فإن إنصاف المتقاعد لا يمثل فقط واجباً أخلاقياً تجاه جيل أدى رسالته المهنية، بل يشكل أيضاً أحد مؤشرات نجاعة السياسات العمومية وقدرتها على تحويل التنمية الإقتصادية إلى مكاسب إجتماعية ملموسة.

ثانياً: المفارقة الضريبية… من يستفيد ومن يظل خارج الأثر؟
رغم أهمية تخفيف العبء الضريبي عن الأجراء، فإن المقاربة الضريبية تطرح مفارقة تستحق المعالجة عند مقارنتها بوضعية المتقاعدين ذوي المعاشات المحدودة.

فالمتقاعد الذي لا يتجاوز معاشه 3000 درهم قد يكون غير خاضع للضريبة على الدخل، أو خاضعاً لإقتطاعات محدودة بحسب وضعيته. وفي هذه الحالة، فإن أي تخفيض ضريبي لا يترجم بالضرورة إلى زيادة ملموسة في دخله الصافي.

وينطبق الإشكال، بدرجات متفاوتة، على متقاعدين آخرين قد يستفيدون من إعفاءات محدودة أو لا يستفيدون منها أصلاً، بينما يواجهون، شأنهم شأن الأجراء، إرتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة والنقل والخدمات الصحية.

وهنا ينبغي التمييز بين أداتين مختلفتين للسياسة الإجتماعية: فالإعفاء الضريبي يحسن الدخل الصافي لمن يؤدي ضريبة قابلة للتخفيض، أما دعم المتقاعد الذي لا يتحمل عبئاً ضريبياً مهماً، فيحتاج إلى آليات أخرى، مثل مراجعة المعاشات المحدودة أو تقديم دعم إجتماعي موجه.

إن معيار نجاعة الإصلاح الضريبي لا ينبغي أن يقتصر على حجم الإعفاءات المعلنة، بل يجب أن يشمل أيضاً مدى تكاملها مع تدابير أخرى تحمي القدرة الشرائية للفئات التي لا يصل إليها أثرها المباشر، فالعدالة الإجتماعية لا تقتضي إلغاء الإمتيازات الموجهة للأجراء، وإنما إستكمالها بإجراءات منصفة لفائدة المتقاعدين الذين لا تسمح لهم أوضاعهم المالية بمواجهة الغلاء.

ثالثاً: المعاش الثابت في مواجهة تكاليف المعيشة المتغيرة
تزداد صعوبة الوضع عندما يستند المتقاعد إلى دخل قار، في حين تتغير تكاليف الحياة بإستمرار، فثبات المعاش من الناحية الإسمية لا يعني ثبات قدرته الشرائية، خصوصاً عندما ترتفع أسعار الحاجيات الأساسية من دون تعديل مماثل في الدخل، وتتجلى هذه الإشكالية في ثلاثة جوانب رئيسية:
1. إرتفاع النفقات الصحية والعلاجية
مع التقدم في السن، قد تتزايد الحاجة إلى الفحوصات الطبية والأدوية ومتابعة الأمراض المزمنة، وهي نفقات ضرورية لا يمكن الإستغناء عنها بسهولة، وقد تستنزف جزءاً مهماً من المعاش، خاصة عندما تكون التغطية الصحية غير كافية لتلبية الحاجيات الفعلية.
2. محدودية فرص تعويض تراجع القدرة الشرائية
تتقلص لدى كثير من المتقاعدين فرص الحصول على دخل إضافي، بسبب السن أو الوضع الصحي أو محدودية فرص العمل المناسبة. وبذلك يصبح المعاش المصدر الأساسي للعيش، في وقت لا يملك فيه صاحبه هامشاً كافياً للتكيف مع الإرتفاع المتواصل في النفقات.
3. إختلاف الحاجيات من متقاعد إلى آخر
لا يمكن تقييم المعاش بمعزل عن الظروف الأسرية وتكاليف السكن والعلاج والإلتزامات اليومية. فقد يواجه متقاعد يتقاضى المبلغ نفسه الذي يتقاضاه غيره وضعاً أكثر صعوبة بسبب المرض أو إعالة أفراد الأسرة أو إرتفاع المصاريف الضرورية.

لهذا، فإن معالجة أوضاع المتقاعدين تتطلب تجاوز المقاربة التي تعتمد مبلغ المعاش وحده، نحو تقييم أشمل للقدرة الشرائية والحاجيات الأساسية ومستويات الهشاشة.

رابعاً: هل تكفي الزيادة التدريجية في الحد الأدنى للمعاشات؟
إن التوجه نحو رفع الحد الأدنى للمعاشات، إذا تأكدت المبالغ والآجال المتداولة بشأنه، يمثل خطوة تستحق التقييم الإيجابي، خصوصاً إذا إستهدف الفئات الأكثر هشاشة، غير أن نجاح هذه الخطوة لا يتوقف على قيمة الزيادة المعلنة وحدها، بل يرتبط أيضاً بمجموعة من الشروط الإقتصادية والإجتماعية.
أولها، تحديد الفئات المعنية بدقة، وتوضيح شروط الإستفادة، ومدى شمول التدبير لمختلف أنظمة التقاعد.
ثانيها، تقييم القيمة الحقيقية للمعاش بعد إحتساب تطور الأسعار. فزيادة المعاش قد تحقق تحسناً ملموساً في البداية، لكن أثرها يمكن أن يتراجع إذا إستمر التضخم في رفع تكاليف المعيشة.

ثالثها، التمييز بين رفع الحد الأدنى للمعاشات ومراجعة المعاشات القائمة التي تآكلت قدرتها الشرائية بمرور السنوات؛ فمعالجة الفئات التي تتقاضى معاشات شديدة الإنخفاض لا تغني بالضرورة عن دراسة وضعية المتقاعدين الآخرين الذين تراجعت قيمة معاشاتهم الحقيقية.

كما ينبغي أن تستند أي زيادة مستدامة إلى دراسة مالية واضحة، تراعي إمكانات أنظمة التقاعد وإلتزاماتها الحالية والمستقبلية، حتى لا تتحول معالجة الإشكال الإجتماعي إلى مصدر إختلالات مالية جديدة.

ومن ثم، فإن السؤال الأساسي ليس فقط: كم سترتفع المعاشات؟ بل أيضاً: ما مقدار التحسن الحقيقي الذي سيشعر به المتقاعد بعد إحتساب التضخم وتكاليف العلاج والحاجيات الأساسية؟

خامساً: نحو عدالة إجتماعية تشمل العامل والمتقاعد معاً
إن تعزيز الدولة الإجتماعية يقتضي إعتماد مقاربة متكاملة لا تضع الأجراء في مواجهة المتقاعدين، ولا تجعل تحسين وضعية فئة مبرراً لإغفال فئة أخرى.
وفي هذا الإطار، يمكن التفكير في ثلاثة مداخل عملية:
– مراجعة دورية للمعاشات المحدودة، وفق معايير واضحة تراعي تطور تكاليف المعيشة والإمكانات المالية لأنظمة التقاعد.
– تعزيز الحماية الصحية للمتقاعدين، من خلال تحسين الولوج إلى العلاج ودعم الأدوية الأساسية والأمراض المزمنة، ولا سيما بالنسبة إلى ذوي الدخل المحدود.
– تقييم الأثر الإجتماعي للإصلاحات الضريبية، وتحديد الفئات التي لا تستفيد منها بصورة مباشرة، مع دراسة تدابير مكملة تحقق الإنصاف في القدرة الشرائية.

وإلى جانب ذلك، تظل إستدامة صناديق التقاعد شرطاً أساسياً لنجاح أي إصلاح، وهو ما يستدعي تحسين الحكامة والشفافية، وتقييم مصادر التمويل والإلتزامات المستقبلية، والبحث عن حلول متوازنة تحفظ حقوق المتقاعدين الحاليين وتصون حقوق الأجيال المقبلة.

إن الهدف ليس المطالبة بزيادات غير مدروسة أو تحميل الصناديق أعباء تتجاوز إمكاناتها، بل إرساء توازن مسؤول بين الإستدامة المالية والإنصاف الإجتماعي، بما يجعل حماية المتقاعد جزءاً أصيلاً من سياسة إقتصادية مستدامة.

– الإنصاف الإجتماعي لا يتوقف عند نهاية المسار المهني
إن النقاش حول قانون المالية لسنة 2027 ينبغي ألا يقتصر على الإعفاءات الضريبية والزيادات المعلنة، بل يجب أن يمتد إلى تقييم أثر هذه التدابير على مختلف فئات المجتمع، ومدى قدرتها على حماية القدرة الشرائية وضمان العيش الكريم، فإذا كان تحسين أجور العاملين ضرورياً لمواجهة الغلاء، فإن تحسين أوضاع المتقاعدين ذوي المعاشات المحدودة لا يقل أهمية، خصوصاً أن هؤلاء يواجهون التكاليف نفسها، مع محدودية قدرتهم على تنويع مصادر دخلهم وإرتفاع حاجياتهم الصحية لدى كثير منهم.

ولا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين العامل والمتقاعد، بل بإرساء سياسة إجتماعية متكاملة تعترف بإختلاف الحاجيات وتوجه الدعم إلى مستحقيه، وتضمن ألا يتحول إنتهاء الحياة المهنية إلى بداية للتهميش الإقتصادي.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News