الإخبارية 24
وجه جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي أحمد، اليوم الجمعة، خطابا ساميا إلى أعضاء البرلمان بمناسبة إفتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة.
وفي ما يلي نص الخطاب الملكي السامي :
“الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول اللّٰه وآله وصحبه .
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين ،
نغتنم مناسبة إفتتاح هذه الولاية التشريعية الجديدة، لنقدم التهاني لأعضاء مجلس النواب، على ثقة الناخبين .
وتأتي هذه الولاية في ظرفية إستثنائية، حافلة بالفرص، التي قد لا تتكرر، لمواصلة الإنجازات في مختلف المجالات.
وإننا ننتظر أن تشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة، منعطفا حقيقيا لمواصلة طموح المغرب، كقوة إقتصادية صاعدة وموثوقة، في توازن وإنسجام بين النمو الإقتصادي، وتعزيز العدالة الإجتماعية والمجالية.
حضرات السيدات والسادة،
لقد قلت من هذا المنبر، سنة 2014 : ” إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي” …
وهو نفس الإحساس اليوم، ولا تزيده السنوات إلا قوة ورسوخا.
فالمغرب أمة من أعرق الأمم في العالم، تحت راية ملكية عريقة، من أقدم الملكيات في التاريخ.
ومن حق المغاربة أن يعتزوا بهويتنا الدينية الأصيلة، في ظل إمارة المؤمنين، وبالهوية الحضارية المتميزة، الغنية بتعدد مكوناتها.
ونعتز أيضا بما حققناه من مكاسب سياسية ودبلوماسية، ومن إنجازات تنموية وإقتصادية وإجتماعية، غيرت وجه المغرب.
إن الإعتزاز بالوطن هنا، ليس من أجل التباهي، والتعبير عن الرضى عن النفس؛ بل هو الحافز الذي يحول الإنتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني.
حضرات السيدات والسادة،
في سياق عالمي يتسم بتسارع التحولات الجيو – إقتصادية، انخرطت بلادنا، برؤية واضحة، في دينامية جديدة من الإصلاحات والمشاريع الكبرى.
واليوم، إضافة إلى تسريع المشاريع المبرمجة، في البنيات التحتية، يتعين إطلاق جيل جديد من الإستراتيجيات الكبرى، لاسيما في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والإقتصاد الرقمي، والذكاء الإصطناعي.
كما ندعو من جديد، إلى التعجيل بتطوير قدرات المملكة، في مجال الإحتياطات الإستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية.
وفي هذا السياق، نهيب بالقطاع الخاص الوطني، للإرتقاء إلى فاعل إستراتيجي، في التحول التنموي ببلادنا، وأن يكون أكثر مبادرة وإبتكارا، وأكثر قدرة على خلق فرص الشغل، وعلى الإستثمار والتصدير.
كما يتعين وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، وإهتمامات هيئات الحكامة، من خلال وضع تصور متكامل، يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الإقتصادي.
وذلك بما يعزز الثقة في قدرتهم على الإرتقاء الإجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم، لبناء مستقبل أفضل، في ظل الحرية والكرامة والإستقرار.
حضرات السيدات والسادة،
إن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة، هو العمل الميداني، على المستوى الترابي، بالوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها.
فالنهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الإستثمار المنتج، يرتبط إرتباطا وثيقا بمسار الجهوية المتقدمة، وتفعيل اللاتمركز الإداري.
غير أن التأخير والإختلالات، التي لا تزال تعرقل تنزيل اللامركزية واللا تمركز الإداري، تنعكس سلبا على برامج التنمية الإقتصادية والإجتماعية، وتعيق التجاوب مع الإنشغالات الحقيقية للمواطنين.
لذا، نشدد على أنه لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل، في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يقتضيه من نقل للصلاحيات، والموارد البشرية والمالية الضرورية، من المركز إلى الأقاليم والجهات.
كما ينبغي وضع حد للعراقيل، التي لا تزال تعيق عمل مؤسسات الجهة، لاسيما من خلال تحديد أكثر وضوحا للإختصاصات، والرفع من مواردها البشرية والمادية.
فقد أصبح من الضروري تنظيم العلاقات بين الدولة والجهات، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد، لتمكين الجهات، من إتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.
حضرات السيدات والسادة،
لقد تمكنت المملكة من ترسيخ مكانتها، على الصعيد الدولي، كشريك مسؤول وموثوق، يحرص على تنفيذ إلتزاماته، وينتظر من شركائه نفس التعامل.
وقد أسفرت المقاربة المتوازنة، التي إعتمدتها بلادنا في تدبير ظاهرة الهجرة، عن نتائج ملموسة.
لكن، يجب أن نعترف، بكل شجاعة وموضوعية، بأن النموذج الحالي للتعاون، في هذا المجال أصبح متجاوزا، والأزمات المتكررة خير شاهد على ذلك.
ونفس الأمر ينطبق على جارتنا إسبانيا، حيث عرفت شراكتنا تطورات مهمة، في مختلف المجالات، بما في ذلك محاربة الهجرة غير الشرعية.
غير أن هذا التعاون يواجه اليوم، تحديات كبيرة، مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية المتجاوزة، والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع، التي تحول، مع الأسف، دون ترحيل الأطفال القاصرين، والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتغذي أطماع الشبكات الإجرامية.
وأمام التصريحات اللامسؤولة، والإستغلال المفضوح لبعض الأوساط السياسية والإعلامية، نقول بأن الشراكة هي إختيار سيادي، وإلتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز.
وفي هذا الإطار، سيقدم المغرب لشركائه، وثيقة تتضمن رؤية إستراتيجية، واضحة وعملية، تؤسس لتوجه جديد، يعزز التنمية المشتركة، والتنافسية الإقتصادية، والإستقرار الإقليمي.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين،
كما تعلمون، فالإنتداب البرلماني هو إلتزام سياسي، وتعاقد أخلاقي، يربطكم بالمواطنين.
فكونوا رعاكم الله، في مستوى هذه المسؤولية الوطنية التي تتحملونها، أمام الله، وأمام المواطنين، وأمام التاريخ ؛ مصداقا لقوله تعالى : “من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها”. صدق اللّٰه العظيم.
والسلام عليكم ورحمة اللّٰه تعالى وبركاته”.




