إختتمت اليوم السبت 7 دجنبر، بالرباط، أشغال المناظرة الدولية حول “العدالة الإنتقالية” المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وذلك تخليدا للذكرى العشرين لإحداث هيئة الإنصاف والمصالحة.
وفي كلمة بالمناسبة، أكد رئيس مجلس النواب، راشيد الطالبي العلمي، أنه فضلا عن الرعاية الملكية السامية، فإن ما يزيد من قيمة هذه الندوة الدولية هو أنها جمعت بين من كانوا في صلب إشتغال هيئة الإنصاف والمصالحة كممارسة مطبوعة بطابع مغربي، والهيئات الحقوقية الدولية، والمشرعين، والسلطة التنفيذية، والمجتمع المدني الوطني العامل في مجال حقوق الإنسان بمفهومها الواسع.
وفي هذا الصدد، قال الطالبي العلمي “ما أحوجنا في عالم اليوم، وفي سياق إزدهار خطابات التعصب والإنطواء والتوترات والأنانيات الوطنية أحيانا، إلى مثل هذه اللقاءات”، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا هي من جوهر الضمير، أي الحقوق بمعانيها وأجيالها المختلفة.
وبخصوص التجربة المغربية في مجال العدالة الإنتقالية، أبرز رئيس مجلس النواب “الديناميات الإصلاحية التشريعية العميقة التي كانت توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة الحافز في إعتمادها، وأثر التشريعات التي تم سنُّها، تَمَثُّلاً لتوصيات الهيئة، وأساسا إعمالا للحق، وتحصينا لحاضر ومستقبل المملكة”.
وأضاف الطالبي العلمي أنه “ليس العمق فقط هو ما طبع الإصلاحات التي إعتمدتها بلادنا، ولكن من سِماتها الأساس، الإمتداد في مجالات وقضايا سياسية وإقتصادية وإجتماعية وثقافية، والشجاعة في قراءة الماضي، وتحويله إلى تاريخ حي يحفز على الوحدة، والجرأة في الإصلاح دون تردد، والثقة في الذي ننجزه”، مسجلا أنه ” هذا ما تُوِّجَ بدستور 2011 ذي الجوهر التحرري، الذي يكفل الحقوق في مختلف أبعادها، ويضع لها المؤسسات والمقتضيات القانونية التي تكفلها”.
وخلص رئيس مجلس النواب، إلى أن الأوراش التي يرعاها صاحب الجلالة في مختلف المجالات تعكس ذلك الحرص على إعطاء الديمقراطية وحقوق الإنسان معناها الإقتصادي والإجتماعي والثقافي بأبعاد مجالية ومجتمعية.
من جهته، أكد رئيس مجلس المستشارين، محمد ولد الرشيد، أن الرسالة السامية التي وجهها جلالة الملك إلى المشاركين في هذه المناظرة الدولية، تبرز العمق الإستراتيجي والتفرد الذي طبع التجربة المغربية في مجال العدالة الإنتقالية، كما مثلت دعوة صريحة للمضي قدما في ترسيخ المكتسبات المحققة، وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان في التشريعات والمؤسسات الوطنية.
وأضاف محمد ولد الرشيد، أن التجربة المغربية خصت الأولوية القصوى لمبدأ إقرار الحقيقة حول طبيعة ومدى الإنتهاكات، وحرصت على أن يتم هذا الإقرار بشكل علني من خلال التناظر والمناقشة بصفة جماعية وبصفة مفتوحة داخل المجتمع، عبر تنظيم جلسات إستماع عمومية شملت مختلف ربوع المملكة.
وقال ولد الرشيد في هذا الصدد إنه “لا مبالغة في التأكيد على أن تفرد التجربة المغربية، يكمن من بين مقومات أخرى، في فتح قنوات الحوار مع مختلف المتدخلين قصد تسوية ملفات ماضي الإنتهاكات، مما أسهم في خلق إنفراج وإنفتاح في الأجواء السياسية، و فتح أمام بلادنا مسارات إصلاحية ودينامية ديمقراطية وطنية منقطعة النظير، نجني ثمارها اليوم في سياق إقليمي ودولي متقلب ومتسم باللايقين”.
وفي هذا السياق، توقف عند بعض العناصر الإضافية لتميز التجربة المغربية في مجال العدالة الإنتقالية، من بين أخرى تم تناولها في الجلسات الموضوعاتية من قبل باحثين وفاعلين من ذوي الإختصاص، والتي تكمن أساسا في التقدم غير المسبوق في إستجلاء الحقيقة بشأن انتهاكات الماضي، وجعل الإصلاحات المؤسساتية التي أوصت بها الهيئة، مرجعا أساسيا، توجت بتأكيد العرض الدستوري الوارد في الخطاب الملكي ل9 مارس 2011 على ضرورة دَسْترة التوصيات الوجيهة منها، وهو ما تحقق فعلا في مقتضيات الدستور الحالي للمملكة.
وأضاف رئيس مجلس المستشارين، أن الأمر يتعلق أيضا بالتسريع في إعمال التوصيات المتعلقة بجبر الأضرار الفردية، وببرنامج جبر الضرر الجماعي الذي شكل قيمة مضافة في تجارب العدالة الإنتقالية، إلى جانب إعتبار مقاربة النوع الإجتماعي في مختلف برامج الهيئة، والتدابير المتعلقة بحفظ الذاكرة والأرشيف والتاريخ.
من جانبها، قالت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، آمنة بوعياش، إن التجربة المغربية في مجال العدالة الإنتقالية أكدت قدرة المجتمع المغربي على تحقيق تحولات سياسية وإقتصادية وإجتماعية وثقافية عميقة.
وأبرزت بوعياش أن هذه التحولات “لم تكن لتنجح لولا تضحيات الدولة والمجتمع، ما يعكس النضج الذي تتم به معالجة القضايا المجتمعية اليوم، والتي تعتمد على مقاربة التحولات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية بمشاركة الجميع، وعلى إيجاد التوافقات بشأن مختلف التوجهات والأفكار ضمن إطار الهوية المغربية المتعددة كما جاء في الدستور المغربي”.
كما أكدت أن هذا المسار مكن المملكة من رئاسة مجلس حقوق الإنسان، في اعتراف دولي وأممي بمسارها المتفرد.
وتميزت أشغال اليوم الأخير لهذه المناظرة الدولية بتنظيم جلستين موضوعيتين، ناقشت الأولى موضوع “العدالة الانتقالية والإصلاحات القضائية”، في حين تطرقت الجلسة الثانية لـ”مسارات العدالة الإنتقالية والإنتاج الفكري والمعرفي”، كما تم تقديم مؤلف جماعي أصدره المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول العدالة الإنتقالية.
وشارك في أشغال هذه المناظرة على مدى يومين، ثلة من المسؤولين الوطنيين والأجانب، يمثلون الحكومة والبرلمان والقضاء والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والآليات الوطنية للوقاية من التعذيب، فضلا عن مسؤولين من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وممثلين عن منظمات المجتمع المدني وخبراء وأكاديميين.
وتناولت هذه المناظرة، بالخصوص، مواضيع مرتبطة بمسارات العدالة الإنتقالية، بما فيها التفاعلات الممكنة بين العدالة الإنتقالية والإصلاحات الدستورية والتشريعية والقضائية، وأدوار المؤسسات العمومية والمجتمع المدني في هذه المسارات ودعم تنفيذ توصيات هيئات العدالة الإنتقالية، إضافة إلى قضايا الذاكرة.
كما تطرقت لسبل الإستفادة من مسارات تشكل بإنعكاساتها ونتائجها مرجعا لتجارب أخرى حالية ومستقبلية، خاصة هيئة الإنصاف والمصالحة، بإعتبارها تجربة غنية بممارساتها الفضلى، ومتفردة من حيث تدبيرها، وإنجازها ومنجزها وتوصياتها.




